ابن حزم
189
رسائل ابن حزم الأندلسي
بها ؛ قال لي : فتنزهنا يوماً إلى بعض ضياعنا بالسهلة غربي قرطبة مع بعض أعمامي ، فتمشينا في البساتين وأبعدنا عن المنازل وانبسطنا على الأنهار ، إلى أن غيمت السماء وأقبل الغيث ، فلم يكن بالحضرة من الغطاء ما يكفي الجميع ؛ قال : فأمر عمي ببعض الأغطية فألقي علي وأمرها بالاكتنان معي ، فظن بما شئت من التمكن على أعين الملأ وهم لا يشعرون ، ويا لك من جمع كخلاء ، واحتفال كانفراد ، قال لي : فوالله لا نسيت ذلك اليوم أبداً . ولعهدي به وهو يحدثني بهذا الحديث وأعضاؤه كلها تضحك وهو يهتز فرحاً على بعد العهد وامتداد الزمان ؛ ففي ذلك أقول شعراً منه : [ من الخفيف ] . يضحك الروض والسحائب تبكي . . . كحبيب رآه صب معنى خبر : ومن بديع الوصل ما حدثني به بعض إخواني أنه كان في بعض المنازل المصاقبة له هوى ، وكان في المنزلين موضع مطلع من أحدهما على الآخر ، فكانت تقف له في ذلك الموضع ، وكان فيه بعض البعد ( 1 ) ، فتسلم عليه ويدها ملفوفة في قميصها . فخاطبها مستخبراً لها عن ذلك فأجابته : إنه ربما أحس من أمرنا شيء فوقف لك غيري فسلم عليك فرددت عليه فصح الظن ، فهذه علامة بيني وبينك ، فإذا رأيت يداً مكشوفة تشير نحوك بالسلام فليست يدي ، فلا تجاوب . وربما استحلي الوصال واتفقت القلوب حتى يقع التجليح ( 2 ) في الوصال ، فلا يلفت إلى لائم ولا يستتر من حافظ ولا يبالي بناقل ، بل العذل حينئذ يغري ؛ وفي صفة الوصل أقول شعراً منه : [ من السريع ] .
--> ( 1 ) برشيه : البهو . ( 2 ) التجليح : ركوب الرأس والمكالحة ، ( وقد مر : 149 ) .